أبي هلال العسكري
11
الصناعتين ، الكتابة والشعر
وقال العتّابى : كلّ من أفهمك حاجته فهو بليغ . وإنما عنى : إن أفهمك حاجته بالألفاظ الحسنة ، والعبارة النيّرة فهو بليغ . ولو حملنا هذا الكلام على ظاهره للزم أن يكون الألكن بليغا ؛ لأنه يفهمنا حاجته ؛ بل ويلزم أن يكون كلّ الناس بلغاء حتى الأطفال ، لأنّ كلّ أحد لا يعدم أن يدلّ على غرضه بعجمته أو لكنته أو إيمائه أو إشارته ؛ بل لزم أن يكون السّنّور بليغا ؛ لأنّا نستدلّ بضغائه « 1 » على كثير من إرادته . وهذا ظاهر الإحالة . ونحن نفهم رطانة السّوقى « 2 » . وجمجمة « 3 » الأعجمى للعادة التي جرت لنا في سماعها . لا لأنّ تلك بلاغة ؛ ألا ترى أنّ الأعرابي إن سمع ذلك لم يفهمه ؛ إذ لا عادة له بسماعه . وأراد رجل أن يسأل بعض الأعراب عن أهله فقال : كيف أهلك ؟ بالكسر . فقال له الأعرابي : صلبا ؛ إذ لم يشكّ أنه إنما يسأله عن السبب الذي يهلك به . وقال الوليد بن عبد الملك لأعرابى شكا إليه ختنا « 4 » له ، فقال : من ختنك ؟ ففتح النون . فقال : معذر « 5 » في الحي ؛ إذ لم يشكّ في أنه إنما يسأله عن خاتنه . وقال رجل لأعرابى : ألقى عليك بيتا . فقال : ألق على نفسك . وسمع أعرابىّ قصيدة أبى تمام « 6 » : طلل الجميع لقد عفوت حميدا « 7 » فقال : إنّ في هذه القصيدة أشياء أفهمها ، وأشياء لا أفهمها ؛ فإما أن يكون قائلها أشعر من جميع الناس ، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه . ونحن نفهم
--> ( 1 ) الضغاء من السنور : صياحه . ( 2 ) الرطانة ، بفتح الراء وكسرها : الكلام بالأعجمية . ( 3 ) الجمجمة : ألا يبين الإنسان كلامه . ( 4 ) الختن : الصهر . ( 5 ) الإعذار : الختان . ( 6 ) ديوانه : 87 يمدح خالد بن يزيد الشيباني . ( 7 ) بقيته : وكفى على رزئى بذاك شهيدا